يرى أبراهام أبيبي، الباحث في منصة «هورن ريفيو»، أن اتفاق مكة للدفاع المشترك يواجه اختبارًا حقيقيًا يكشف الفجوة بين الالتزام السياسي بالدفاع عن الدول الأعضاء والقدرات العسكرية والترتيبات العملياتية اللازمة لتنفيذ هذا الالتزام. وينص الاتفاق على اعتبار أي هجوم مسلح على دولة عضو هجومًا على جميع الأعضاء، لكن أول اختبار جاد له أظهر أن تحويل هذا المبدأ إلى استجابة عسكرية جماعية موثوقة لا يزال يتطلب الكثير من العمل.
 

وفي تحليل نشرته منصة «هورن ريفيو»، يناقش الكاتب التحديات التي تواجه الاتفاق الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، في ضوء التطورات الأمنية الأخيرة والهجمات الحوثية على الأراضي السعودية والبنية التحتية الاقتصادية للمملكة. ويركز التحليل على نتائج الاجتماع الطارئ الذي استضافته الرياض في 5 أكتوبر، معتبرًا أن القرارات الصادرة عنه مثلت خطوة نحو تفعيل الاتفاق، لكنها لم تحسم الأسئلة المتعلقة بتوفير القوات وآليات نشرها والقيود السياسية التي قد تحد من استخدامها.

 


اتفاق مكة أمام أول اختبار عسكري


اتفق قادة الدول الثلاث على التحرك الفوري نحو التطبيق العملي لالتزامات الدفاع الجماعي، بما يشمل توفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها وضمان سرعة نشرها داخل السعودية. كما عينوا الفريق أول المتقاعد نعمان محمود، من باكستان، أول أمين عام للاتفاق.


وتكتسب هذه القرارات أهمية خاصة، لكن صياغتها تكشف في الوقت نفسه أن الدول الأعضاء لا تزال تعمل على تطوير الآليات التي ستتيح توفير القوات ونشرها، رغم مواجهة السعودية تهديدًا أمنيًا مباشرًا. ومن ثم، لا يتمثل السؤال الأساسي في امتلاك السعودية وتركيا وباكستان قدرات عسكرية كبيرة كل على حدة، بل في مدى نجاحها في تحويل تلك القدرات إلى قوة مشتركة يمكن الاعتماد عليها واستخدامها بصورة منسقة ويمكن التنبؤ باستجابتها.


وجاء أول اختبار للاتفاق بعد وقت قصير من تأسيسه، حين أثارت الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية والمنشآت الاقتصادية تساؤلات حول مدى قدرة الالتزام بالدفاع المشترك على اكتساب مضمون عملي. وأجرت الدول الثلاث مشاورات سياسية وعسكرية، شملت اجتماعات بين رؤساء هيئات الأركان، لكن آليات تحويل الالتزامات إلى قدرات قابلة للنشر ظلت قيد التطوير حتى اجتماع أكتوبر.
 

ومثّل قرار 5 أكتوبر خطوة مهمة، لكنه لم ينهِ حالة الغموض المحيطة بترتيبات التنفيذ. فقد بدأت تركيا وباكستان تقديم دعم دفاعي وعسكري للسعودية، إلا أن حجم مساهماتهما وطبيعتها وترتيبات نشر قواتهما على المدى الطويل لا تزال غير محددة بالكامل. كذلك، تواجه المشاركة القتالية المباشرة قيودًا سياسية وقانونية داخل الدولتين، ولا سيما تركيا، حيث يتطلب نشر القوات التركية تصديق البرلمان.


وتكمن أهمية هذه المسألة في أن الدفاع الجماعي لا يقوم على التضامن السياسي وحده، بل يحتاج إلى آليات متفق عليها تحدد مساهمة كل دولة، وكيفية قيادة القوات، والوقت اللازم لنشرها، والظروف التي تسمح للحكومات بالموافقة على استخدامها. ومن دون هذه الترتيبات، قد يخلق بند الدفاع المشترك توقعات بالتضامن من دون أن يضمن استجابة عسكرية واضحة وموثوقة.

 


الناتو يكشف الفجوة بين التعهد والقدرة على التنفيذ
 

يوضح نموذج حلف شمال الأطلسي «الناتو» الفرق بين إعلان الالتزام بالدفاع المشترك وامتلاك البنية المؤسسية والعسكرية اللازمة لتنفيذه. فالمادة الخامسة من معاهدة الحلف تنص أيضًا على اعتبار الهجوم المسلح على أحد الأعضاء هجومًا على الجميع، لكن هذا الالتزام يستند إلى منظومة عسكرية ومؤسسية تطورت على مدى عقود.


ويعتمد الحلف على هياكل سياسية وعسكرية للقيادة، وآليات تتيح إتاحة القوات الوطنية للعمل ضمن مهامه، وتدريبات دورية لاختبار قابلية التشغيل البيني والاستعداد القتالي، إلى جانب قوات مخصصة لدعم الدفاع الجماعي. وتعزز المادة الثالثة من المعاهدة هذه المنظومة، إذ تلزم الدول الأعضاء بالحفاظ على قدراتها الفردية والجماعية لمقاومة الهجمات المسلحة وتطويرها.


ولا يعني ذلك أن على اتفاق مكة استنساخ نموذج الناتو فورًا؛ فالحلف نفسه تطور على مدى أكثر من سبعة عقود، كما أن المادة الخامسة لا تلزم جميع الأعضاء باتخاذ إجراء عسكري متماثل تلقائيًا. إذ تحدد كل دولة ما تراه ضروريًا للرد على الهجوم، وقد يشمل ذلك استخدام القوة المسلحة أو اتخاذ تدابير أخرى.


ويكمن الدرس الأهم في الجانب المؤسسي؛ فقد طور الناتو آليات لتخطيط الدفاع، والقيادة، والتشغيل البيني، والتدريبات، والاستعداد العسكري، بما يسمح بتحويل الالتزامات السياسية إلى تحركات عسكرية منسقة. أما اتفاق مكة، فلم يثبت حتى الآن امتلاكه قدرة مماثلة.


وتوضح خطوات بناء مؤسسات الاتفاق طبيعة التحدي. فمن شأن تعيين أمين عام تحسين التواصل والتنسيق واستمرارية العمل، لكنه لا يستطيع بمفرده توفير القوات أو تسوية الخلافات السياسية بشأن استخدامها. وينطبق الأمر نفسه على اللجان وفرق العمل والأمانة العامة الدائمة؛ فالمؤسسات قد توفر الإطار اللازم للدفاع المشترك، لكنها لا تغني عن تجهيز القوات، والتخطيط العملياتي، وتحقيق التوافق بين الأنظمة العسكرية، والاستعداد السياسي لتحمل مخاطر التدخل العسكري.


وتزداد أهمية هذه الفجوة لأن التحدي الأمني المباشر الذي تواجهه السعودية يرتبط بالصراع في اليمن. فحماية الأراضي السعودية من الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات الأخرى تختلف جوهريًا عن شن عمليات هجومية ضد مواقع الحوثيين داخل اليمن.


وركز بيان 5 أكتوبر على سرعة نشر القوات والقدرات داخل المملكة، فيما تشير التقارير المتاحة إلى أن الدعم التركي يركز على القدرات الدفاعية، وأن المساهمة الباكستانية تستهدف دعم أمن السعودية. ولم تعلن أي من الحكومتين، حتى الآن، التزامًا واضحًا بتنفيذ عمليات قتالية هجومية داخل اليمن.


وهنا يبرز سؤال جوهري بشأن مصداقية الاتفاق: هل يقتصر الالتزام بالدفاع المشترك على حماية أراضي الدولة العضو، أم يمتد إلى مساندتها عندما يتطلب الرد على الهجوم تنفيذ عمليات عسكرية خارج حدودها؟


وتفرض هذه المعضلة قيودًا واضحة على الاتفاق. إذ تستطيع تركيا وباكستان مساعدة السعودية في مجالات الدفاع الجوي، والاستخبارات، والمراقبة، والخدمات اللوجستية، والدعم الفني، من دون الانخراط مباشرة في الحرب اليمنية. لكن كلما ارتبط أمن المملكة بعمليات عسكرية تتجاوز حدودها، ازدادت صعوبة الفصل بين الدفاع الجماعي والانخراط الأوسع في الصراعات الإقليمية.

 


الحسابات السياسية تحدد مصداقية الاتفاق


تتفاقم التحديات بفعل اختلاف الحسابات الاستراتيجية للدول الثلاث. فالسعودية صاحبة المصلحة الأكثر إلحاحًا في إضفاء مضمون عسكري على الاتفاق، لأنها تواجه التهديد الأمني المباشر. أما تركيا وباكستان، فعليهما الموازنة بين التزاماتهما تجاه الرياض ومخاطر التصعيد وعلاقاتهما الإقليمية الأوسع والقيود السياسية والقانونية الداخلية.


وينشأ عن ذلك تفاوت محتمل بين ما قد يتطلبه الاتفاق جماعيًا وما تكون كل حكومة مستعدة لتنفيذه بصورة منفردة. لذلك، لا يتعلق الأمر بمجرد إمكانية توفير القوات، بل بمدى استعداد الدول الثلاث لتحمل التبعات السياسية والعسكرية المترتبة على استخدامها.


ويعني ذلك أن الإرادة السياسية لا تقل أهمية عن القدرات العسكرية. فالدفاع الجماعي يكتسب مصداقيته عندما يعتقد الخصم أن الدول الأعضاء مستعدة لتحمل كلفة استخدام قواتها، وليس لمجرد امتلاكها ترسانات عسكرية كبيرة. وإذا استلزم نشر القوات قرارات سياسية إضافية ومفاوضات بشأن طبيعة المهمة وموافقات وطنية منفصلة، فستظل القدرة الردعية للالتزام بالدفاع المشترك غير مؤكدة.


ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى اجتماع أكتوبر باعتباره مؤشرًا إلى حجم التحديات التنفيذية، لا دليلًا على تحول الاتفاق بالفعل إلى تحالف دفاعي متكامل. فالحاجة إلى وضع ترتيبات لتوفير القوات ونشرها بعدما تعرضت السعودية للهجمات تكشف أن البناء السياسي للاتفاق تقدم بوتيرة أسرع من آلياته العسكرية.


وقد يتطور اتفاق مكة مستقبلًا إلى إطار أكثر مصداقية للدفاع الجماعي، لكن تعهده الأساسي لم يتحقق بالكامل حتى الآن. فقد اتفقت الدول الأعضاء على ترابط أمنها، إلا أنها لم تثبت بعد قدرتها على تحويل هذا المبدأ إلى استجابة عسكرية يمكن التنبؤ بها.


وسيتوقف الاختبار الحاسم على مدى استعداد تركيا وباكستان لتحديد التزامات عملية بشأن القدرات التي تستطيعان توفيرها، ووضع إجراءات قابلة للتنفيذ لنشرها، وإظهار الإرادة السياسية اللازمة لاستخدامها عندما تتعرض السعودية لهجوم.


وفي الوقت الراهن، يمتلك الاتفاق تعهدًا بالدفاع الجماعي، لكنه لا يزال يفتقر إلى بنية عسكرية مثبتة تجعل هذا التعهد موثوقًا بالكامل. ومن ثم، لا يكمن التحدي الأكبر في إنشاء مؤسسة جديدة أو إصدار بيان آخر، بل في سد الفجوة بين الالتزام بالدفاع عن الدول الأعضاء والاستعداد الفعلي والمنظم والسياسي للقيام بذلك.

 

 

https://hornreview.org/2026/10/08/the-makkah-pact-and-the-limits-of-collective-defence/